Arabic (العربية الموحدة)English (United Kingdom)
آخر المقالات
Home أدبيات Commercial Insurance
التأمين التجاري

 

التأمين واحد من تلك النظم التي غزتنا بها الحضارة الحديثة في عقر دارنا, وتغلغل في حياتنا الاقتصادية والاجتماعية حتى غدا محوراً لا تتحرك آلة التقدم إلاّ به، وقد كان أول مؤتمر علمي إسلامي تجري فيه مناقشة موضوع التأمين هو أسبوع الفقه الإسلامي الذي عقد بدمشق عام 1380هـ (1961م)، كما جرت مناقشته أيضاً في مؤتمر علماء المسلمين الثاني بالقاهرة عام 1385هـ (1965م), وفي ندوة التشريع الإسلامي (ليبيا) عام 1392هـ (1972م), وفي مؤتمر علماء المسلمين السابع بالقاهرة (1392هـ)، ولم تنته هذه المؤتمرات إلى نتيجة بحجة أن الموضوع يحتاج إلى مزيد من البحث والدرس.

      وأخيراً صدر عن المؤتمر العالمي الأول للاقتصاد الإسلامي بمكة المكرمة سنة 1396هـ (1976م) ما يلي: (يرى المؤتمر أن التأمين التجاري الذي تمارسه شركات التأمين التجاري في هذا العصر لا يحقق الصيغة الشرعية للتعاون والتضامن, لأنه لم تتوافر فيه الشروط الشرعية التي تقتضي حِلَّه...) دون أن يأتي على حكم التأمين الذي تتولاه الدولة كما في سورية ومصر.

      وقد سار على هذا الاتجاه قرار هيئة كبار علماء المملكة العربية السعودية، وقرار المجمع الفقهي. ولنا أن نتفق مبدئياً على النقاط التالية: 
‌أ- إن التأمين بكل صوره وأنواعه غربي المنشأ والمصدر.
‌ب- إن لعقد التأمين أركاناً, وشروطاً, وآثاراً شرحتها الدراسات القانونية, ولا بد لنا من اعتمادها كما وردت في تلك الشروح لتقرير الحكم الشرعي، وكل خروج عنها يجعلنا في الحقيقة أمام نظام للتأمين قائم في أذهاننا, لا وجود له في الواقع.
‌ج- إن أدلة الطرفين تتخذ من القياس مرتكزاً أساسياً تقوم عليه.
‌د- إن علينا أن ندرك واقع الحياة بعمق، وأن نعلم يقيناً أن تغيير نظام المعاملات التي ألفها الناس، وتغيير النظام الاقتصادي لا يمكن أن يتم ذلك بيسر وسهولة، ولا بين عشية أو ضحاها.
‌ه- إن علينا أن نقدم للناس بديلاً يقبله الشرع لكل أمر ضروري ألفوه، إذا كان لا يقره الشرع.
‌و- إن تحليل الحرام، كتحريم الحلال، كلاهما يشوه جمال الشريعة، وتلفظه قواعدها وأحكامها الغراء.

من التاريخ

      التأمين البحري هو أول أنواع التأمين ظهوراً وانتشاراً، و بدأ في لومبارديا سنة 1182م، ومنها أنتقل إلى بريطانيا وبقية الدول الأوربية ذات النشاط التجاري البحري.
      وأول نظام قانوني معروف للتأمين البحري هو ما يعرف باسم (أوامر برشلونة) وقد صدر عام 1435م، وأما التأمين على الحياة فقد ظهر لأول مرة في بريطانيا عام 1583م.
      وأما التأمين البري فقد تأخر تنظيمه القانوني حتى القرن العشرين، وجاء القانون الفرنسي المؤرخ 13/7/1930م منظماً لأحكامه تنظيماً شاملاً، مما يجعله قانوناً رائداً في هذا الموضوع.
      وقد كان هذا في الغرب، أما في العالم الإسلامي فإن التأمين لم يعرف إلا في القرن المنصرم، بدليل أن أحداً من الفقهاء لم يتعرض إليه قبل الفقيه الحنفي ابن عابدين، الذي أفتى بعدم جوازه، ومازال الحوار قائماً بين العلماء من بعده، حول التأمين وحكمه، مع الأخذ في الاعتبار أن التأمين آخذ بالازدهار والنمو في كل مكان.

عقد التامين :  تعريفه – أنواعه

تعريف عقد التأمين: 
      هو في اللغة مشتق من مادة أَمِنَ التي توحي بالاطمئنان والثقة.
      وآخر تعريف لعقد التأمين هو ما جاء في المادة 920 من القانون المدني الأردني (التأمين عقد يلتزم به المؤمِّن أن يؤدي إلى المؤمَّن له، أو إلى المستفيد الذي اشترط التأمين لصالحه مبلغاً من المال، أو إيراداً مرتّباً، أو أي عوض مالي آخر، في حالة وقوع الحادث المؤمن ضده، أو تحقق الخطر المبين في العقد، وذلك مقابل مبلغ محدد، أو أقساط دورية يؤديها المؤمَّن له للمؤمِّن).

ومهما اختلفت التعاريف، فإن رجال القانون قد اتفقوا على أن العناصر الأساسية لعقد التأمين هي:
1. وجود الإيجاب والقبول من المؤمَّن له والمؤَمِّن.
2. وجود عَينٍ هي محلّ التأمين.
3. دفع المؤمَّن له مبلغاً من المال للمؤمِّن.
4. ضمان المؤمِّن لكل ضرر يتعرض له محل التأمين، وهذا هو ما يبتغيه المؤمّن له من عقد التأمين.

أبرز خصائص عقد التأمين:
1. عقدٌ من عقود التراضي.
2. عقد مُلزم لطرفيه.
3. عقد من عقود المعارضة.
4. عقد احتمالي، لأن ما يدفعه المؤَمَّن له من بدل التأمين، وما يدفعه المؤمِّن من تعويض مجهول بالنسبة لكل منها، والحقيقة أن الإحصائيات الدقيقة قد قللت من الاحتمال.
5. عقد مستمر، فلابد من زمن ليتم فيه تنفيذ التزامات الطرفين.
6. عقد من عقود الإذعان، إذ يخضع المؤمَّن له لشروط وقيود مطبوعة، مكتوبة بصورة مسبقة، تكاد تكون واحدة بين شركات التأمين في بلاد العالم.

      ولكن يقلل من تعسّف عقود التأمين ما يقدم عادة من تنافس الشركات في العالم الحر، وما أعطته القوانين المدنية للمحكمة من حق في إبطال كل شرط تعسفي، وتفسير كل غموض في بنود العقد وشروطه، لمصلحة المؤمَّن له، لأنه الجانب الضعيف.
      ومما يدعو للدهشة حقاً، أنه في بعض البلاد التي أصبحت فيها شركات التأمين ملكاً للدولة، ما تزال تخضع لذات الأسلوب كما لو كانت خاصة، المضمون واحد، ولكن وجه المؤمِّن هو الذي اختلف.

أنواع التأمين:

أ ) من حيث الشكل ينقسم إلى قسمين:
الأول: تأمين تعاوني، أو تبادلي: وهو أن يكتتب مجموعة من الأشخاص يتهددهم خطرٌ واحد، بمبالغ نقدية على سبيل الاشتراك يؤدى منها تعويض لكل من يتعرض للضرر من هؤلاء.
الثاني: تأمين تجاري: وهو الذي يراد من كلمة التأمين إذا أطلقت، وفيه يدفع المؤمَّن له مبلغاً من المال للمؤمِّن (شركة التأمين) على أن يتحمل المؤمِّن تعويض الضرر الذي يصيب المؤمَّن له، فإن لم يتعرض للضرر المحدد بعقد التأمين أصبح المبلغ المدفوع حقاً للمؤمِّن، ولاشيء للمؤمَّن له.

ب) ومن حيث الموضوع ينقسم إلى قسمين:
الأول: تأمين تجاري يشمل التأمين البحري، والجوي، ويقصد به التأمين من المخاطر التي تحدث للسفن، وللطائرات، ولما تحمله من بضائع، كما يشمل التأمين البري، وهو التأمين ضد الحوادث العامة.
الثاني: تأمين تجاري يشمل تأمين الأضرار، والأشخاص.
أما تأمين الأضرار، فإنه يتناول المخاطر التي تؤثر في ذمة المؤمَّن له، لتعويضه عن الخسارة التي تلحقه بسببها.
ويدخل فيه نوعان:
1. التأمين من المسؤولية كحوادث السيارات، والعمل.
2. التأمين على الأموال. 

أما تأمين الأشخاص، وهو ما يعرف بالتأمين على الحياة وهو من حيث العموم والخصوص ينقسم إلى قسمين:
الأول: تامين فردي: يكون فيه المؤمَّن له طرفاً مباشراً في العقد، حيث يتولى مباشرة العقد، ليؤمن على نفسه من خطر معين لمصلحته الشخصية.
الثاني: تأمين جماعي: يرمي إلى تأمين مجموعة من الأفراد يعتمدون على كسب أيديهم من بعض الأخطار التي قد يتعرضون لها، فتعجزهم عن العمل، كالمرض، والشيخوخة، والبطالة، والعجز.
وهذا النوع في الغالب يكون إجبارياً، ومنه التأمينات الاجتماعية، والصحية، والتقاعدية، وغيرها من التأمينات العامة.
والبحث ينحصر في النوع (ب) فقط، لأنه محور الخلاف بين العلماء.

الفقهــــــــــاء والتـــــــــــأمين
أدلة المــــــانعيـــــــن

      الذين منعوا عقد التأمين، وقالوا لا يجوز قدّموا بين يدي قولهم أدلة نسردها بإيجاز غير مُخِلّ، ونعقبها بالرد الذي دفع به القائلون بالجواز.
      ونحب أن نشير إلى أنه لابد من التأمل في ردود هؤلاء الفقهاء على أدلة المجيزين للتأمين التي ستأتي على وجه الاستقلال، حتى يتمكن القارئ الكريم من معرفة أدلة المانعين على الوجه الأكمل.

1- الغرر والجهالة:
نهت الشريعة الإسلامية عن العقود التي تحمل في طيّاتها غرراً، أو جهالة، وهذا النهي يفيد التحريم، ويفضي إلى بطلان تلك العقود، والدليل على ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نهى عن بيع الغرر، كبيع السمك في الماء، والطير في الهواء، كما نهى صلوات الله وسلامه عليه عن بيع المجهول.
وقد فسر الفقهاء معنى بيع الغرر، والجهالة بأنه : بيع ما لا يعلم وجوده وعدمه، أو لا تعلم قلته أو كثرته، أو لا يقدر على تسليمه.
وقال بعضهم أن بيع الغرر  ما كثر فيه الغرر، وغلب عليه حتى أصبح البيع يوصف ببيع الغرر، فهذا الذي لإخلاف في المنع منه.
وأصل الغرر، هو الذي لا يُدرى هل يحصل أم لا، كالطير في الهواء، والسمك في الماء، أما ما علم حصوله، وجهلت صفته، فهو المجهول.
والفقهاء قسموا الغرر والجهالة إلى أقسام ثلاثة:-
الأول: كثير: يؤثر في عقود المعاوضات، فيفسدها بالإجماع، كم في بيع الطير في الهواء.
الثاني: قليل: لا يؤثر في تلك العقود بالإجماع، كأساس الدار.
الأخير: متوسط: هل يلحق بالقسم الأول، أم بالثاني، وهذا هو سر اختلاف العلماء في فروع الغرر والجهالة.
وللحنفية تفريق دقيق بين نوعين من الجهالة من جهة أثرها في العقد، قالوا: إذا كانت الجهالة تفضي إلى منازعة، فإن العقد فاسد، لأنه لا يمكن تنفيذه، كالذي يبيع أحد الأشياء دون تعيين، وأما إذا كانت الجهالة لا تفضي إلى منازعة، فإن ذلك لا يؤثر في صحة العقد ما دام التنفيذ ممكناً، وقالوا بأنه لو صالح آخر على جميع الحقوق التي عليه كافة، ولا يعرفان مقدارها و أنواعها لقاء بدل معين، فإن ذلك الصلح جائز، لأن الحقوق في سقوطها لا تحتاج إلى تنفيذ، أما لو صالحه على بعض تلك الحقوق دون تعيين لذلك البعض، فإن الصلح فاسد للجهالة الموجبة للمنازعة.
وعندما نطبق ذلك على عقد التأمين نلحظ ما يلي:
1) الغرر في عقد التأمين ظاهر، ذلك أن رجال القانون يصفونه بأنه عقد احتمالي.. فالمؤمَّن له لا يستطيع أن يعرف وقت العقد مقدار ما يعطي، أو يأخذ، فقد يدفع قسطاً واحداً ويقع الخطر، فيستحق جميع ما التزم به المؤمِّن، وقد يدفع جميع الأقساط ولا يقع الخطر، فلا يأخذ شيئاً.
وكذلك حال المؤمِّن، فهو عند العقد لا يعرف مقدار ما يأخذ، وما يعطي، وإن كان يستطيع إلى حد كبير أن يعرف كل ذلك بالنسبة لجميع المؤمَّن لهم عن طريق الاستعانة بقواعد الإحصاء الدقيق.
إن هذه الصفة الاحتمالية في عقد التأمين تجعله من عقود الغرر من جهة، وتكشف عن الغبن الذي يحصل لطرفيه من جهة أخرى، وكل ذلك مانع من انعقاده.
2) أما الجهالة فإنها بارزة في عقد التـأمين، فالخطر الذي هو مبرر عقد التأمين، وركيزته الكبرى قد يقع، وقد لا يقع، والمؤمِّن لا يعرف مقدار ما سيلزمه من التعويض عند وقوع الخطر، والمؤمَّن له لا يعرف عدد الأقساط التي سيدفعها في عقد التأمين على الحياة، كل ذلك يجعل الجهالة في عقد التأمين من النوع الكثير الذي يؤثر بالعقد، ويؤدي إلى بطلانه.
إذاً فقعد التأمين غير جائز شرعاً لما فيه من فاحش الغرر والجهالة.

الــــــــــرد:
وأجاب المجيزون للتأمين عن ذلك بما يلي:-
أ‌)  إن الغرر في هذا المقام هو الذي يُحوِّل عقد البيع من أصله الذي شُرِعَ له كطريق لمعاوضة محدودة النتائج والبدلين، إلى طريق للكسب قائم على المخاطرة، بحيث يكون الربح لواحدٍ والخسارة لآخر، فهو والحالة هذه أشبه بالمقامرة والرهان.
ولذلك قرر الفقهاء، عدم انعقاد بيع شيء لا يقدر البائع على تسليمه للمشترى ولو كان معيّناً بذاته عند البيع، كبيع طير في الهواء، وسمكة في الماء.
ويظهر من هذه البيوع أيضاً أن الغرر فيها غرر فاحش، ولا يجادل في ذلك أحد، وأنه يجعل العقد كالقمار المحض، وعليه فإنه لا يصلح أن يكون أساساً يُعتمد عليه في الحياة الاقتصادية وفي المعاملات المالية.
ب) أما إن كان الغرر دون ذلك، فإنه لا يؤثر في العقد، ذلك لأن عنصر المغامرة، والمخاطرة، والاحتمال في حدوده الطبيعية قلّما تخلو منه أعمال الإنسان، وتصرفاته المشروعة، وقلّما تخلو منه طبيعة الأشياء.
لهذا رأينا الفقهاء يجيزون بيع الثمار على أشجارها بعد صلاحها، ومع أنه يبقى في بيعها بعد ذلك نوع غررٍ وجهالة، ولكنه أقل مما قبله.
وكذلك صوَّر الفقهاءُ بيع الثمار المتلاحقة على أصولها، وجعلوا ما سيوجد منها (مع أنه معدوم) تبعاً للموجود، نظراً للحاجة إلى هذا البيع.
كما جوّزوا استئجار المرضع بطعامها، وشرابها، وكسوتها، للحاجة لذلك رغم ما في هذه الإجارة من غرر وجهالة واضحين، فالمرضع لا تعرف عدد الرضعات، ومن ترضع له لا يعرف مقدار الطعام، والكسوة، ونوعها.
إن أمثال هذه العقود التي أجازها الفقهاء تدل على أن  هذا القدر من الغرر والجهالة لا يؤثر.
بعد كل ما ذكرنا، هل نجد في التأمين غرراً أو جهالة يوجبان بطلانه؟
•   نحن ننتقد قول جمهرة علماء القانون بأن عقد التأمين من العقود الاحتمالية، لكنه في حقيقته ليس كذلك، فهو بالنسبة للمؤمِّن ليس احتمالياً، وإذا كان بالنسبة لكل عقد على حدة لا يستطيع المؤمِّن أن يعرف ما يعطي، وما يأخذ، ولكنه بالنسبة لمجموع العقود التي يقوم بها يستطيع أن يعرف كل ذلك باعتماده على الإحصاء الدقيق، الذي هو عمدة العمل لدى شركة التأمين.
وأما بالنسبة للمؤمَّن له فلا وجود للاحتمال أصلاً، لأنه عند دفع القسط الأول قد حصل على ما يريد، إنه حصل على الأمان الذي هو محل التأمين دون توقف على الخطر.
•   لو سلمناً بوجود عنصر الاحتمال في التأمين، فقد نص الفقهاء على أن الإنسان لو قال لآخر: تعامل مع فلان، وما يثبت لك عليه من حقوق فأنا كفيلٌ به، صحّت الكفالة هكذا رغم الاحتمال في وجود الدين في المستقبل، وجهالة مقداره.
وكذلك لو قال لدائن: إن أفلس مدينك فلان، أو مات هذا الشهر مثلاً، أو إن سافر، فأنا كفيله، فإن الكفالة تنعقد صحيحة، ويلتزم بموجبها إن وقع الشرط.
•   لو سلّمنا بوجود غرر في عقد التأمين، فإنه ليس من الغرر الممنوع شرعاً، بل هو من النوع المقبول.
•   أما الغبن في عقد التأمين، فإنه ليس من الغبن المحرم شرعاً، وإنما هو غبن مغتفر، وهو مما يصاحب عادة العقود الصحية ، ذلك لأن الغبن المحرم شرعاً يكون عند اختلال التعادل بين ما يعطيه متعاقد، وما يأخذه، اختلالاً فادحاً ينطوي على استغلال أحد المتعاقدين طيشاً بيّناً، أو هوى جامحاً لدى المتعاقد الآخر، وليس في التأمين شيء من ذلك، بل هو عقد معاوضة قد بني على أسسٍ فنية، وحسابات دقيقة مما تتنافى معه صفة الاحتمال والغبن، ومع ذلك فإنه إذا اشترطت شركة التأمين أقساطاً عالية لا تتناسب البتة مع احتمال الخسارة تحقق الغبن، وجاز إبطال العقد.
•   أما الجهالة: فنرى أن الجهالة فيها من النوع غير المانع من صحة العقد، لأن مبلغ كل قسط عند حلول ميعاده هو مبلغ معلوم، أما كمية الأقساط فهي التي فيها الجهالة، وهي لا تمنع من التنفيذ ما دام المؤمِّن قد تعهد بدفع التعويض المتفق عليه عند وفاة المؤمَّن له في أي وقت حصلت الوفاة ضمن المدة المحددة بالعقد ومهما بلغ عدد الأقساط.

2- القمــــــــــــار:
إن الشريعة الإسلامية قد حرمت القمار، وعقد التأمين فيه المقامرة ظاهرة للعيان، لذلك كان حراماً، وممنوعاً شرعاً، وتتجلى صفة المقامرة في عقد التأمين بأنه عقد معلّقٌ على خطرٍ تارة يقع، وتارة لا يقع، وهذا التعليق يظهر معنى المقامرة، ويظهر هذا المعنى أيضاً في عقد التأمين على الحياة، فالمؤمَّن له قد يموت قبل إيفاء جميع الأقساط، وقد يموت بعد دفع قسط واحد، وقد يكون الباقي مبلغاً كبيراً، ففي مقابل أي شيء تدفع شركة التأمين التعويض المتفق عليه لورثة المؤمَّن له؟
وفي صورة أخرى من صور عقد التـأمين على الحياة نرى المقامرة عياناً جهاراً، فإن المؤمَّن له بعد أن يوفي جميع ما التزم به من الأقساط يكون له كذا، وإن مات قبل أن يوفيها كلها يكون لورثته كذا، أليس في هذه الصورة وفي تلك مقامرة ومخاطرة؟
وإذا لم يكن كل ما ذكرنا من المقامرة ففي أي شيء تكون المقامرة إذاً؟
إن وجه الشبه بين الـتأمين والقمار هو عنصر المخاطرة، وعدم التناسق بين المكسب والخسارة وعدم التقابل العادل في حال الكسب.

الــــــــــرد:      
•   إن القمار من أعظم الآفات الخُلُقية، والأمراض الاجتماعية، وقد وصفه القرآن الكريم بأنه من حبائل الشيطان يوقع بها العداوة والبغضاء بين الناس.
ولذلك فإن العامل الشرعي في تحريم القمار ليس عاملاً اقتصادياً فحسب، وإنما هو عامل خلقي واجتماعي في الدرجة الأولى كما أشار إليه القرآن الكريم.
أما نظام التأمين فهو قائم على أساس ترميم الكوارث التي تقع على الإنسان في نفسه، أو ماله، بطريق التعاون على تجزئة الكوارث وتفتيتها، ثم توزيع التعويض عن الضرر الواقع.
ثم إن التأمين يعطي المؤمَّن له طمأنينة وأمناً من نتائج الأخطار الجائحة التي قد تذهب بثروته.
•   أما القول بأن التأمين عقد معاوضة لا تقع المساواة بين ما يدفعه المؤمَّن له، وبين ما يقبضه حال وقوع الخطر، فقول صحيح ولاشك.
ولكننا نقول بأن المساواة والمعادلة في الإبدال لا تجب فقهاً إلا في حالتين:-
الأولى: ضمان المتلفات، فهذه يجب فيها التعادل المطلق بقدر الإمكان، فإذا كان المتلف مِثليّاً وجب مثله، أو قيِمّاً وجبت قيمته التي هي سعره الذي يساويه في السوق بين الناس.
الثانية: عقود المعاوضات في الأموال الربوية إذا قوبلت بجنسها، كالقرض والصرف.
وفيما عدا ذلك لا تجب المساواة والمعادلة.
ألا ترون أن المبيع في عقد البيع مضمون على المشتري بالثمن لا بالقيمة؟ والثمن هو العوض قليلاً كان أو كثيراً، لأن الإنسان قد يبيع ما يملك بثمن بخس وإن كانت قيمة غالية، وبالعكس.
مع ملاحظة أن البيع لا ينطوي على أية فكرة تعاونية، وإنما هو عملية تجارية بحته، ومع ذلك جاز فيه شرعاً هذا التفاوت بين العِوَضَين ما دام الأساس فيه هو الإرادة.
وعقد التأمين على الحياة أساس الالتزام فيه بتقدير التعويض هو الإرادة، فلا يجب فيه التعادل، ولاسيما وقد اندمجت فيه فكرتا التعاون والمعاوضة فهو أولى من البيع بقبول التفاوت، وعدم التساوي فيه بين ما يؤخذ، وما يعطى. فأين كل ذلك من القمار؟
•   والواقع أن من يتأمل القمار والتأمين يجد الفرق بينهما سافراً فيما يأتي:-
أ‌) من حيث الخطر: ففي القمار يتحمله المقامر لأنه من صنع نفسه.
أما التأمين فإن الخطر الذي يتعرض له المؤمَّن له ينشأ من النشاط الاقتصادي، وطوارئه، ويحاول جاهداً أن يتقيه، ويتحمل في سبيل ذلك كلفة هي قسط التأمين.
ب‌) من حيث الأثر: نرى المقامرة تشوش نظام الحياة الطبيعي المبني على العمل، والمكافأة عليه، كما تسيء إلى التوزيع العادل للثروة والدخل.
أما التأمين فيزيل التشويش من طريق الحياة الاقتصادية، وذلك التشويش الناشئ عن الحوادث والكوارث، لذلك نرى الإنسان يشق طريقه في الحياة وهو ينعم بالأمان والثقة.
فأين كل ما ذكرنا من القمار؟

3- الرهــــــــــان:
الرهان ممنوعٌ شرعاً إلا في صورةٍ معينة مستثناه، ليس منها عقد التأمين بلا شك.
وبما أن التأمين معلق على خطر، قد يحدث، وقد لا يحدث، ولذلك كان والرّهان سواء في الحكم، وبهذا يكون التأمين حراماً.

الــــــــــرد:
رد المجيزون على ذلك، بأن ما سبق إيضاحه من تفريق دقيق بين القمار والتأمين، يصلح أن يعتمد هنا، إن المراهن يعتمد على المصادفة والحظ، وإن الرهان ليس فيه أثر لترميم أضرار الأخطار التي يتعرض لها الإنسان على سبيل التعاون، فضلاً على أنه لا يعطي المرء شيئاً من الأمان والطمأنينة.
فأين ذلك من عقد التأمين؟
تفرق الموسوعة البريطانية بين التأمين والمراهنة، فتقول: في قواعد التأمين يشترط في المؤمَّن له أن يكون ذا مصلحة قابلة للتأمين المطلوب، وذلك بأن يكون معرضاًً للخسارة بوقوع حادث محتمل، ولولا هذا الشرط لأصبح عقد التأمين مجرد مراهنة، فحيثما توجد مصلحة قابلة للتأمين قانوناً يكون عندئذٍ ما تدفعه الجهة المؤمِّنة للمؤمَّن له عند وقوع الضرر تعويضاً عن الضرر الواقع، وليس ربحاً للمؤمَّن له، كما في حالة الرهان.
ولذلك فإن القوانين المدنية تشترط في عقد التـامين لأجل صحته أن لا يؤدي إلى ربح المؤمَّن له، فلو شرط في العقد أن يكون التعويض عند وقع الخطر المؤمن ضده أكثر من مقدار الضرر كان ذلك شرطاً مخالفاً للنظام العام، ومبطلاً للعقد.

4- ربا الفضل والنَّساء:
إن الشريعة الإسلامية قد حرمت الربا بنوعيه الفضل والنَّساء.
ويظهر الربا بنوعيه في عقد التأمين لذلك فهو محرم شرعاًً.
ذلك أن ما تدفعه شركة التأمين للمؤمَّن له، أو لوريثه:
 إما أن يكون أقل، أو أكثر، أو مساوياً لما قبضته منه بدل التأمين.
 وهذا الدفع لا يكون إلا بعد فترة من قبض المؤمن لبدل التأمين، أو قسط منه.
فإن كان التعويض أكثر من بدل التأمين كان فيه ربا الفضل من جهة، وربا النسيئة من جهة أخرى. وإن كان مساوياً ففيه ربا النسيئة، وعلى ذلك فإن التأمين فيه ربا الفضل، أو ربا النسيئة، أو كلاهما معاً، ومعلوم أن كل ذلك حرام بلا جدال.
وفوق كل ما تقدم، فإن شركة التأمين تستثمر أموالها في الربا، وقد تعطي المؤمَّن له في التأمين على الحياة جزءاً من الفائدة، مما يجعل التأمين بمجمله متضمناً للربا المحرم في الإسلام.

الــــــــــرد:
أن التأمين التعاقدي قائم من أساسه على فكرة التعاون على جبر المصائب والأضرار الناشئة من مفاجآت الأخطار، وانطلاقاً من هذه الحقيقة فإن قسط التأمين على الحياة يتكون من جزئين:-
الأول: يغطي الضرر المادي الذي يقع على الورثة عند وفاة المؤمَّن له، وهذا من قبيل التعاون.
الثاني: يدَّخر، ويتجمع باستمرار مدة العقد، لكي يُسلّم للمؤمَّن له إذا كان على قدي الحياة في آخر مدة العقد، وعليه فإن عملية التأمين تصبح عملية ادخار لا يجادل في قبولها أحد، بالإضافة إلى التعاون، و بذلك لا يكون في التأمين ربا، ولا شبهة ربا.
- نحن نقول بجواز نظام التأمين، وليس من لازم قولنا جواز جميع ما تحويه عقود التأمين من شروط وفق ما هو متعارف عليه في بلاد الغرب، ولذلك فإننا نرفض كل صورة للتأمين، وكل شرط يرد في العقد لا يتلاءم والمقاييس الشرعية للعقود والشروط.
وعليه: فإننا لا نقبل أن تستثمر شركات التأمين أموالها في معاملات ربوية، ولا نجيز للمؤمَّن له أن يقبض شيئاً من الفوائد التي تدفعها شركة التأمين، ويستطيع هو أن يرفض قبولها، كما أن له أن ينص في العقد على ذلك.
وما حملنا على ما قررناه إلا قولنا بالتفريق بين التأمين كنظام، وبين عقد التأمين، وإن قولنا هذا يدل على تحريم مثل هذه المعاملات لا على تحريم نظام التأمين، وإننا نستطيع أن نقيم نظاماً للتأمين خالياً من مثل هذه الشروط المحرمة، والتعامل الذي لا يقره الشرع الإسلامي.

5- التأمين يحمل معنى الصرف:
إن التأمين يتضمن التزام المؤمَّن له بإعطاء نقود في سبيل حصوله على نقود في المستقبل، ولذلك كان فيه معنى الصرف.
وعقد الصرف الذي لا يتم التقابض في مجلسه يعتبر فاسداً فيه شبهة ربا، وهذا ما يجعل عقد التأمين فاسداً لا يجوز.
 
الــــــــــرد:
قال المجيزون بأن معنى الصرف غير متحقق في عقد التأمين، لأن الصرف لا يكون إلا في مبادلة الذهب بالذهب أو الفضة بالفضة، أو أحدهما بالآخر.

6- أكل المال بالباطل:
لقد حرمت الشريعة الإسلامية أكل أموال الناس بالباطل، والتأمين من قبيل أكل أموال الناس بالباطل، لأن ما يدفعه المؤمَّن له مبلغ محدود، وقد يأخذ مثله، أو أقل، أو أكثر منه، وقد لا يأخذ شيئا، فإن أخذ أكثر مما دفع، فبأي وجه أخذ ذلك؟ وإن أخذ أقل، أو لم يأخذ شيئاً فبأي وجه أخذ المؤمَّن هذا المال؟

الــــــــــرد:
رد المجيزون بأن التأمين لا يدخل في عموم النهي، حتى يقوم دليل تفصيلي على منعه.

7- الإلزام بما لا يلزم شرعاً:
إن في عقود التأمين الإلزام بما لا يلزم شرعاً، وإن مثل هذا الإلزام لا يجوز، لهذا كانت عقود التأمين محرمة.
وبيان ذلك: أن المؤمِّن لم يحدث الخطر المؤمَّن منه، ولم يتسبب في حدوثه، وإنما كان ضمانه للخطر- على تقدير وقوعه - مقابل مبلغ يدفعه المؤمَّن له نشأ من العقد، فكان التأمين حراماً لما فيه من تضمين ما لم يضمن، ومن ناحية أخرى فإن المؤمِّن يأخذ مال المؤمَّن له في عقود معاوضات مالية تجارية دون أن يبذل عملاً للمؤمَّن له.

الــــــــــرد:
إن المؤمِّن التزم بالضمان حين العقد برضاه، وعن طيب نفس منه، فالتزم بما التزم، ولا غضاضة في ذلك، وله نظير في الفقه الإسلامي ألا وهو عقد الكفالة.

8- بيع الأمان:
إن الأمان لا يباع، ولا يشترى، ولذلك فإن التأمين لا يجوز أن يكون محل معاوضة، أو تجارة، كما لا يجوز أن يكون وسيلة لتحقيق ربح مهما كان هذا الربح محدوداً، وقليلاً للغاية، ذلك لأن التأمين في حقيقته رسالة إنسانية، وخير، ووظيفة اجتماعية محضة.

الــــــــــرد:
وأجاب المجيزون رداً لهذا الدليل:-
 إن الأمان أعظم ثمرات الحياة، ألا ترون أن الإنسان يسعى، ويكدح، ويبذل في سبيل الحصول على الأمان والاطمئنان لنفسه ولأسرته، ولحقوقهم ولمستقبلهم كل شيء.
 إن القول بأن التامين لا يجوز أن يكون محل معاوضة، لا يستند إلى دليل، فليس في نصوص الكتاب والسنة بيان لما يجوز أخذ العوض فيه، وما لا يجوز أخذ العوض فيه، فيبقى الأمر على الجواز والإباحة الأصلية.
ومن ثَمَّ ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الضمان، وتحمّل التبعة مما يجوز أن يقابل بعوض.
 إن القول بأن الضمان خير ومعروف هو ما ذهب إليه بعض المالكية الذين قالوا بعدم جواز أخذ العوض عن الخير والمعروف كالصلاة، مع أن هذه القلة من المالكية تفرق بين الخير الواجب على فاعله، فلا يجوز أخذ عوض عنه، وبين ما لا يجب على فاعله أخذ العوض فيه، كأخذ العوض عن الطعام يعطى لجائع، وأخذ أهل مكة في عهد عمر وعثمان رضي الله عنهما التعويض عن توسعة المسجد الحرام على حساب أملاكهم، ومما لاشك فيه هو أن التامين والضمان ليس من المعروف الواجب على فاعله، ولذلك جاز أخذ العوض عنه.
 أما كون التامين رسالة، ووظيفة اجتماعية، فهو قول مردود، لأن كل ما في الحياة رسالة، والأموال جميعها بما في ذلك الملكية الخاصة هي وظيفة اجتماعية، بل التجارة ذاتها هي ضرب من التعاون تحقق حاجة تبادل الأموال والخدمات، بل إن جميع الهيئات العامة، أو الشركات الخاصة، التي تقوم بخدمات عامة ضرورية، كمرافق البريد والمياه والكهرباء تحقق من وراء ذلك ربحاً، ولم نسمع أن أحداً من فقهاء الشريعة المعاصرين يحرم ذلك، أو ينكره.

9-تحدّي القدر:
إن التأمين التجاري، ولاسيما التأمين على الحياة فيه تحدٍّ للقدر الإلهي، ولذلك لا يجوز.

الــــــــــرد:
رد المجيزون على هذه النقطة بأن التأمين ليس ضماناً لعدم وقوع الخطر المؤمَّن منه حتى يكون تحدياً للأقدار، وهل يستطيع أحد منع القدر من الوقوع؟
إن التأمين تخفيف لآثار الخطر وترميمه عند وقعه عن طريق تعاون المستأمنين، وهو أمر مطلوب شرعاً.


أدله المجيـــــــــزين

      لم يكتف الفقهاء الذين أجازوا التأمين بشتى أنواعه بردّ أدلة المانعين، بل قدّموا بين يدي البحث أدلة جديدة تبيح التأمين، ولم تسلم هذه الأدلة من نقد الخصوم، وبالتالي  فإننا نذكر الدليل، ونعقبه بالرد.

1. الأصل في الأشياء الإباحة:
وهذا الأصل يعني أن معاملات الناس، التي تعود عليهم بالنفع مباحة، إلا ما ورد فيه دليل بخصوصه يقتضي غير ذلك.
فبمقتضى هذه القاعدة تكون عمليات التأمين، بكل أنواعه، مباحة لأنها من معاملات الناس النافعة، ولم يرد بخصوصها نص يحظرها.
ومن جهة أخرى فإن الشرع الإسلامي لم يحصر الناس في الأنواع المعروفة قبلاً من العقود، بل ترك للناس أن يبتكروا أنواعاً جديدة منها تدعوهم حاجتهم الزمنية إليها بعد أن تستوفي الأركان والشرائط العامة التي تعتبر من النظام التعاقدي العام في الإسلام.
ونستدل على ما ذهبنا إليه ببيع الوفاء عند الأحناف، فهو عقد جديد نشأ في القرن الخامس الهجري في بخارى وبلخ.
وعلى ذلك فإن كون التأمين عقداً جديداً خارجاً عن نطاق العقود التي عرفها الفقهاء سابقاً ليس بمانع من جوازه شرعاً، إذا لم يكن فيه ما يخالف الشرائط العامة في نظام التعاقد.

الــــــــــرد:
أ) نحن لا نسلم بأن الأصل في عقود المعاملات الإباحة، بل الأصل فيها المنع حتى يقوم دليل على الجواز.
ب) على تقدير أن يكون الأصل في المعاملات الإباحة والجواز، فإن الأدلة قد قامت جلية على مناقضة عقود التأمين للكتاب والسنة، وعلى هذا لا تكون عقود التأمين داخلةً في عموم أصل الجواز.

2. المصلحة والتأمين:
إن المتأمل في واقع الحياة الذي نعيشه في هذا العصر يجد الإنسان محاطاً بمجموعة من المخاطر لا حصر لها، وهذه الأخطار تترك آثار مادية، ونفسيه في الإنسان، كما تترك آثاراً في المجتمع، إن هذه الأخطار تؤدي إلى خسارة جلّ ثروته، أو كلها في بعض الأحيان، وإن الخوف من وقوعها، وتصور نتائجها، يجعل الإنسان في قلق دائم، وخوف مستمر من المستقبل، مما يفقده كثيراً من فعاليته ونشاطه في سبيل نماء ثروته، والاستفادة من مواهبه.
وإن كل ذلك يترك أثراً جسيماً في المجتمع، لأنه ينقص من الثروة القومية، ويحول دون إقدام الأفراد على تنفيذ المشاريع الاقتصادية الكبيرة، مما يؤدي إلى ركود الاقتصاد، وضعف الثروة.
وإن الإنسان بفطرته يميل لتجنب الخطر قبل وقوعه، وللتخفيف من آثاره بعد وقعه، وهو في سبيل ذلك يسعى بشتى الوسائل والطرق حتى يصل إلى ما يريد.
وبعد العديد من التجارب وجد في نظام التأمين أفضل وسيلة تؤدي إلى استقراره النفسي، وبالتالي إلى مزيد من التقدم الاقتصادي والازدهار المالي لنفسه ولمجتمعه، ولذلك فقد أقبل على نظام التأمين، حتى أصبح هذا النظام يدخل شتى جوانب الحياة المادية.
وقد قرر الفقهاء أن المصالح العامة من الأمور المناسبة للحكم الشرعي، والتي ينبني عليها ثبوت ذلك الحكم، وبما أن التأمين يحقق مصلحة عامة وهامة جداً، فيكون حكمه الجواز، ولا فرق في ذلك بين التأمين على الأشياء، ومن المسؤولية، والتأمين على الحياة.

الــــــــــرد:
أ- إن المفسدة في التأمين أرجح من المصلحة، وعليه لا يكون من التعاون على البر والتقوى، بل من التعاون على الإثم والعدوان.
ب- من المصالح ما شهدت له الشريعة بالاعتبار، وهذه لاشك في أنها حجة، ومنها ما شهدت الشريعة بإلغائه، فليس بحجة، ومنها ما لم تشهد الشريعة له باعتبار ولا إلغاء بل كان من المصالح المرسلة، فاختلفت في الاحتجاج به أنظار المجتهدين.
وعقود التأمين فيها جهالة، وغرر وقمار، فكانت مما شهدت الشريعة بإلغائه لطغيان جانب المفسدة فيه على جانب المصلحة، كما ألغيت منافع الخمر والميسر لطغيان ما فيها من خطرٍ دائمٍ على ما فيهما من منافع.

3. العرف في التأمين:
إن العرف مصدر شرعي للأحكام، وبما أن التأمين قد كثر تعامل الناس به، وتعارفوا عليه، ولذلك فيكون جائزاً بناءً على القاعدة التي ذكرنا.

الــــــــــرد:
رد المانعون بأن الاعتماد على العرف كدليلٍ على جواز التأمين لا يسلّم به لعدة وجوه:
أ) متى صار التأمين التجاري عرفاً عاماً، أو خاصاً ؟ إننا لو أحصينا عدد المؤمَّن لهم لوجدنا أن نسبتهم لعموم الشعب الإسلامي ضئيلة جداً لا تسوغ لنا أن نعتبرهم موجدين لعرف.
ب) ولو أن التأمين قد أصبح عرفاً ، فإنه يصادم أموراً مستنبطة من النصوص الشرعية.
وإذا قلتم بأنها مجرد شبهات، قلنا: إنها قد تكاثفت، وكثرت حتى صرنا نحكم معها بأن هذا العقد لا يتلاءم مع مقاصد الشارع، ولا مع ما قرره الفقهاء.
ج) إن العرف ليس دليلاً تثبت به الأحكام، ولا مصدراً من مصادر التشريع، وإنما يُبنى عليه في تطبيق الأحكام، وفهم المراد من ألفاظ النصوص، ومن عبارات الناس في أيمانهم، وتداعيهم، وأخبارهم، وعليه، فإن العرف لا تأثير له فيما يتبين أمره، وتعيّن المقصود منه، وقد دلت الأدلة التي سردناها على منع التأمين، فلا عبرة للعرف بعد قيام تلك الأدلة.

4. الضرورة والتأمين:
لقد أصبح التأمين في العصر الحاضر أمراً ضرورياً لا يمكن الاستغناء عنه.
ولقد أدرك الناس عظيم حاجتهم إليه، لأنهم رأوا فيه الوسيلة الوحيدة التي يمكنهم بها دفع أخطار الكوارث، والنكبات التي تقضي على الثروة والأملاك، وقد أدرك التجار، وأصحاب المصانع، ورجال المال، ونحوهم أن الاقتصاد الصحيح، يحتم عليهم ممارسة عمليات التأمين على نطاق واسع، ولذلك فقد اندفعوا يشقون طريقهم في الحياة بثقة واطمئنان، ولو أنهم لم يمارسوا التأمين لوجدوا في طريقهم مشقة وعناء، ونظراً إلى كون التأمين أصبح ضرورة من ضرورات الحياة، لذلك فهو جائز شرعاً، ويؤيد ذلك مجموعة من القواعد التي أقرها الفقهاء، منها:-
- الأمر إذا ضاق اتسع.
- المشقة تجلب التيسير.
- الضرورات تبيح المحظورات.
- ما حرم لذاته يباح للضرورة.
- ما حرم لسد الذريعة يباح للحاجة.
وقد أناط الفقهاء معرفة المشقة التي تجلب التسيير بالعرف، فالرجوع إليه فيما يشق على الناس وما لا يشق عليهم أمر لابد منه.

الــــــــــرد:
إن الواقع يؤكد أن الضرورة بالمعنى الذي يقصده الفقهاء لا تتحقق بالنسبة لعقد التأمين.
صحيح أن الناس سيقعون في حرج لو منعنا عقد التأمين بالكلية بعد أن ألفوه، وتغلغل في جميع نواحي حياتهم، ومع ذلك فلا يصح أن نلجأ إلى استخدام الضرورة، أو الحاجة لإباحة التأمين، لأن هناك التأمين التعاوني الذي يمكننا أن نوسع حدوده ونطاقه ليشمل النواحي التي يحتاجها الناس. ومعلوم أنه لا يصح اللجوء إلى استخدام الضرورة، أو الحاجة إلا إذا لم نجد سبيلا غيرها.

5. ولاء الموالاة والتأمين:
إننا نقيس التأمين على ولاء الموالاة، - قال ابن تيمية: وأما المؤاخاة فإن النبي صلى الله عليه وسلم آخى بين المهاجرين والأنصار لما قدم المدينة، وكانوا يتوارثون بتلك المؤاخاة حتى أنزل الله تعالى: (وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله) فصاروا يتوارثون بالقرابة، وفي ذلك أنزل الله تعالى (والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم).
اختلف العلماء: هل التوارث بمثل ذلك عند عدم القرابة والولاء محكم أو منسوخ على قولين:-
أحدهما: أن ذلك منسوخ، وهو مذهب مالك، والشافعي، وأحمد في أشهر الروايتين عنه.
والثاني: أن ذلك مُحكم، وهو مذهب أبي حنيفة، وأحمد في الرواية الأخرى عنه.
وبعبارة أخرى فإن الموالاة في التشريع الإسلامي تشكل رابطة قانونية بين شخصين بمقتضاها يتعاقدان على أن يعقل أولهما (وهو مولى الموالاة) عن الآخر (وهو المعقول عنه) إذا جنى جناية أن يدفع الدية في مقابل ميراثه منه إذا توفى ولم يترك وارثاً.
- وإن عقد التـامين في صورة التأمين على المسؤولية يقاس على الموالاة على قول من يعتبر الموالاة سبباً للإرث.
أولاً: هو عقد بين طرفين: أولهما: مولى الموالاة، يقابل المؤمِّن، وثانيهما: المعقول عنه، ويقابل المؤمَّن له.
ثانياً: هو يتضمن العوض المالي الذي يلتزم به المؤمِّن (وهو مولى الموالاة) يدفعه عند تحقيق الخطر المؤمّن منه، وهو يتمثل في الدية، أو التعويض عن الجريمة التي ينتج عنها الضرر للغير.
ثالثـاً: وهو يتضمن عنصر المقابل المالي الذي يحصل عليه مولى الموالاة (المؤمِّن)، مقابل تحمله تبعة الخطر الذي يتمثل بالجريمة التي قد يرتكبها المعقول عنه (المؤمَّن له)، وهذا المقابل هو الإرث الذي يناله المولى إذا كان المعقول عنه قد مات غير مخلف وارثاً مطلقاً.
وبذلك يظهر وجه الشبه بين ولاء الموالاة، وعقد التأمين على المسؤولية، وبعبارة أخرى فإنه بمقتضى عقد الموالاة يتحمل الموالي المسؤولية المدنية، أي الضمان المالي الذي يترتب على المولى نتيجة لجناية الخطأ الصادر منه، وذلك بسبب العقد، عقد الموالاة، ورغم أن الموالي المتعاقد لم يجن شيئاً، وفي المقابل هذا التحمل الاحتمالي غير المحقق يستفيد من الإرث من المولي إن مات غير وارث، وهو أيضاً عوض احتمالي، وكذلك التأمين على المسؤولية.

الــــــــــرد:
وجوه الشبه بين عقد الموالاة والتأمين هو قياس مع الفارق:-
أ) لأن عقد الموالاة  فيه عنصر معنوي هام جداً، فهو صلة ولُحمة، كصلة القرابة ولحمتها، ومولى القوم منهم، وهو أيضاً يحمل معنى النصرة، والترابط الأدبي، والافتخار والاعتزاز، هذا هو الأصل في عقد الموالاة، وما النتائج المالية إلا أثر لذلك.
أما عقد التأمين فليس للعنصر المعنوي أي أثرٍ فيه، لأنه مادي بحت، ينتظر منه المتعاقدان -كلٌ فيما يخصه- النتائج المالية دون سواها، ولهذا اختلف العقدان في الغاية، أولهما له غاية معنوية، والآخر مادية.
ب) إن طرفي عقد الموالاة كل منهما ينصر الآخر، ويتحمل عنه ما يترتب عليه من مسؤولية.
أما في عقد التأمين، فإن شركة التأمين هي التي تتحمل كامل التعويض، وليس على المؤمَّن له إلا دفع القسط المتفق عليه.

6. الوعد الملزم عند المالكية والتأمين:
إن عقد التأمين يمكن قياسه على الوعد الملزم عند المالكية.
وذلك لأن من وعد آخر بشيءٍ يهبه له مثلاً، أو وعده بفعل كذا، فلا يلزمه شيء عند الحنفية والشافعية، والظاهرية، وأما المالكية فلفقهائهم أقوال، أشهرها: أن الواعد لا يلزمه شيء إلا إذا باشر الموعود تحقيق السبب الذي ذكر في الوعد.
وعليه، فلو قال لآخر: بِع أرضك الآن، وإن لحقتك من هذا البيع خسارة فأنا أرضيك، فباعها بخسارة، فقد وجب على القائل أن يتحمل تلك الخسارة، وهذا هو قول ابن وهب، واختاره أصبغ، لأن العِدة كانت على سبب وهو البيع.
وقياساً على ذلك، فإن أقل ما يمكن أن يقال في عقد التأمين أنه التزام بتحمل الخسائر عن الموعود (المؤمَّن له) في حادث معيّن محتمل الوقوع، ونظير الالتزام بتحمل خسارة المبيع عن البائع في المثال الذي ذكرنا.

الــــــــــرد:
القياس غير صحيح:-
أ) إن عقد التأمين من عقود المعاوضات، والوعد الملزم من عقود التبرعات، فلا يصح قياس عقد معاوضة على تبرع، لاختلافهما في التعقيد.
ب) إن العوض في الوعد الملزم معلوم عند الطرفين، أما ما تدفعه شركة التأمين فهو مجهول لا يعلمه أحد الطرفين إلا بعد الخطر، فلا يقاس مجهول على معلوم.
ج) الوعد الملزم لا يجب إلا إذا تسبب الموعود بالدخول في الأمر الموعود، أما التأمين فإن المؤمَّن له إذا دخل بنفسه، فأتلف المؤمَّن عليه قصداً، فلا يستحق التعويض في هذه الصورة، ويستحقه فيما عداها، فالصورتان مختلفتان في تحقيق المناط، فلا يصح القياس.

7. المضاربة والتأمين:
إننا نقيس التأمين على المضاربة لما بينهما من شبه.
 فالمضاربة في قول العلماء هي أن يدفع أحد مالاً إلى غيره ليتَّجر فيه، ويكون الربح بينهما على ما شرطا، لرب المال بسبب ماله، وللمضارب باعتبار عمله هو سبب الربح.
 والتامين يشبه عقد المضاربة، وفيه يكون المال من جانب المشتركين الذين يدفعون الأقساط، ويكون العمل من جانب الشركة (المؤمِّن) التي تستغل هذه الأموال والربح للمشتركين، وللشركة حسب التعاقد.

الــــــــــرد:
أجاب المانعون بأن ذلك غير صحيح، فليس هناك صورة من صور التأمين يمكن قياسها على عقد المضاربة لما يأتي:-
أ) المبلغ في المضاربة ملك لرب المال، ولا يدخل في ملك العامل.
أما في التأمين فالقسط الذي يدفعه المؤمَّن له للشركة يدخل في ملكها تتصرف فيه كما تشاء.
ب) في حال موت رب المال في المضاربة يستحق ورثته ذلك المال.
أما في التأمين على الحياة فإن مات المؤمَّن له، فإن ورثته يستحقون التعويض المتفق عليه بالغاً ما بلغ، ولا يصح أن يقال بأن الشركة تتبرع بالمبلغ الزائد عن أقساط التأمين لأن عقد التأمين عقد معاوضة ملزم للجانبين، فالشركة تدفع التعويض متى دفع المؤمَّن له الأقساط المتفق عليها.
ج) في حال موت صاحب المال في المضاربة يذهب المال إلى ورثته كما ذكرنا، أما في حال موت المؤمَّن له فإن المال المستحق بكامله قد يذهب إلى غير ورثته إذا كان قد حدد شخص المستفيد، ولو لم يكن للمتوفى مال غيره، ولا حق لورثته بالاعتراض.

8. كفالة المجهول وما لا يجب، والتأمين:
تجوز كفالة المجهول وما لا يجب عند الحنفية، والمالكية، ولا تجوز عند الشافعية.
وعلى هذه الكفالة يقاس عقد التأمين، ذلك لأن الكفيل قد وجب عليه أداء ما ضمنه مع أنه مجهول من حيث المبدأ، فكذلك الحال في عقد التأمين، فإن المؤمِّن يجب عليه أن يدفع للمؤمَّن له قيمة ما ضمنه بعد وقوع الخطر، وإن كان مجهولاً.

الــــــــــرد:
وقال المانعون في رد هذا الدليل بأنه لا يصح لوجوه:-
أ‌) إن الكفالة من عقود التبرعات، فاغتفرت فيها الجهالة من باب دفع المشقة، واليسر على الناس، أما التأمين فهو من عقود المعاوضة، فلا تغتفر فيه الجهالة.
ب) إن عقد الكفالة يتكون من أربعة أركان:-
- كفيل.
- مكفول.
- مكفول له.
- مكفول عنه.
أما في عقد التأمين فإن أركانه ثلاثة:-
- كفيل (وهو الشركة).
- مكفول (وهو ما تدفعه الشركة عند وقوع الخطر).
- مكفول له (المؤمَّن له).
أما المكفول عنه فمفقود، ولذلك اختلفت الصورتان.
ج) الكفيل في الشريعة فرع، والمكفول عنه أصل، أما في التأمين فالضامن (المؤمِّن) هو الأصل، ومن شرط القياس الاتفاق في الصورة.
د) الكفيل إذا دفع إلى المكفول له، فإنه يرجع على المكفول عنه، ويأخذ منه ما دفعه عنه، ولذلك لا ضرر عليه، أما الشركة فإنها عند وقوع الضرر تدفع ما وجب عليها، ولا ترجع على أحد، ولذلك وقع الضرر عليها وحدها، ولا يصح قياس ما فيه ضرر على ما لا ضرر فيه.

9. ضمان خطر الطريق والتأمين:
نص فقهاء الحنفية على أن من قال لآخر: اسلك هذا الطرق فإنه آمن، وإن أصابك فيه شيء فأنا ضامن، فسلكه، فأخذ ماله، فإن القائل يضمن، وهذه صورة تصلح أن تكون نصاً استثنائياً قوياً في جواز التأمين على الأموال من الأخطار.
ولو أن فقهاءنا عليهم الرحمة والرضوان عاشوا عصرنا، ورأوا ما فيه من الأخطار، وما تخلفه من كوارث، لقالوا بقبول نظام التأمين..

الــــــــــرد:
عقد التأمين ليس فيه أي وجه من وجوه الضمان التي أقرها الفقه الإسلامي.
ونحن نعلم من أحكام الشريعة أن أسباب الضمان هي:-
أ) العدوان: كالقتل، والحرق، والهدم، فمن تعدى على مال أخيه وجب عليه الضمان إما بمثله إن كان مثلياً، وإما بقيمته إن كان قيمياً، أما في التأمين فإن المؤمِّن لم يرتكب أي عدوان على مال المؤمَّن له حتى يضمنه.
ب) التسبب بالإتلاف، فمن حفر بئراً في غير أرضه، أو رمى شيئاً في الطريق مثلاً، وأدى ذلك إلى إلحاق الضرر بالناس، أو بأموالهم، فإن الحافر والرامي ضامنان لذلك الضرر، ومن الواضح أن المؤمِّن ليس متسبباً بإلحاق الضرر بمال المؤمَّن له حتى يكون مسؤولاً عن تعويضه.
ج) وضع اليد بغير وجه حق، كما في السرقة، والغصب، والمبيع بيعاً صحيحاً يبقى تحت يد البائع، فهذه ونحوها سبب للضمان ناشئ عن وضع اليد، أما المؤمن عليه في عقد التأمين فليس تحت يد المؤمِّن حتى يضمن ما يلحقه من ضرر، إنما هو تحت يد المؤمَّن له.
د) الكفالة: وقد رأينا فيما سبق أوجه الخلاف بين الكفالة والتأمين.
إن كل ما ذكرنا يكفي لتقرير أن ضمان المؤمِّن لا يستند على مبررٍ شرعي.

10. العاقلة والتأمين:
لقد ثبت نظام العاقلة بالسنة النبوية الصحيحة، وأخذ به الأئمة عليهم الرحمة والرضوان.
- ولقد أفاض العلامة عبد القادر عودة رحمه الله تعالى في شرح علة تحميل العاقلة الدية، وذكر أن بعض البلاد الأوربية كألمانيا، وإيطاليا، ويوغوسلافيا، قد أخذت بهذه الفكرة، فأنشأت خزانة خاصة تسمى خزانة الغرامات يتكون إيرادها من المبالغ المتحصلة من الغرامات التي تحكم بها المحاكم، وخصص إيراد هذه الخزانة لتعويض المجني عليهم في الجرائم بشرط أن تكون أموال الجاني لا تكفي للتعويض.
وهذا النظام الذي يتم بموجبه توزيع الالتزام المالي في كارثة القتل الخطأ يرمي إلى غايتين:-
الأولى: تخفيف أثر المصيبة عن الجاني المخطئ.
الثانية: صيانة دماء ضحايا الخطأ من أن تذهب هدراً.. لأن الجاني المخطئ قد يكون فقيراً لا يستطيع دفع الدية، فيضيع دم الضحية دون مقابل.
فما الذي يمنع من فتح باب إلزامي لتنظيم هذا التعاون على ترميم الكوارث والأخطار عن طريق التعاقد والإرادة الحرة، كما جعله الشرع إلزاميا دون تعاقد في نظام العواقل.
أليس هناك من شبه بين عقد التأمين ونظام العواقل من حيث فكرة التعاون؟
وطريق القياس وفق قواعد أصول الفقه لا يجب فيها الاتحاد المطلق الكامل في الصورة بين المقيس والمقيس عليه، ولو كان ذلك الاتحاد واجباً لما كنا بحاجة إلى القياس أصلاً، لأن المقيس يكون عندئذ فرداً من أفراد المقيس عليه يدخل مباشرة تحت النص الشرعي الذي يقرر الحكم في المقيس عليه، بل يكفى في القياس وجود التشابه بين المقيس والمقيس عليه في نقطة ارتكاز الحكم ومناطه وهي العلة.

الــــــــــرد:
ويقول المانعون بأنه لا يصح بحال قياس التأمين على نظام العواقل في الإسلام، لأنه قياس مع الفارق.
أ) الهدف من نظام العاقلة هو النصرة الشرعية بكل ما تدل عليه هذه الكلمة من معنى، والهدف من التامين هو الاستغلال المحض للشركة المتعاقدة مع المؤمن له.
ب) الخطر الذي تتحمله العاقلة مشترك، فكل فرد من أفرادها يناله حظه من القسط الذي يجب عليه، وقد يقع منه شيء وقد لا يقع، وإذا وقع منه شيء يوجب تحمل العاقلة عنه، فقد يكون أقل مما دفع، أو أكثر، أو مساوياً، وليس هناك أي ارتباط في موجب العقل بين ما يدفعه هو عن غيره، وبين ما قد يدفعه الغير عنه، وهذا ما يوضح عمق التعاون، وتحمل المسؤولية في نظام العاقلة، ولا يوجد أي شيء من ذلك في التأمين.
ج) ما يتحمله الفرد من العاقلة يختلف باختلاف حاله، فالغني يدفع غير ما يدفعه المتوسط، أما الفقير فلا يدفع شيئا، أما في التأمين فإن المؤمِّن يتحمل التعويض سواءً كان غنياً، أم فقيراً.
د) إن ما تحمله العاقلة مقدرٌ شرعاً، وهو الدية، أما في عقد التأمين على الحياة، فإن المؤمِّن يدفع المبلغ الموقع عليه في العقد سواءً كان أقل من الدية، أم أكثر.
وبهذا يبدو جلياً أنه لا وجه للقياس بين التأمين والعاقلة.

11. عقد الحراسة والتأمين:
لقد نص الفقهاء على جواز استئجار أجير يتولى حراسة الحوانيت والأموال، ومن الواضح أن عمل هذا الأجير المستأجَر عليه ليس له أثر أو نتيجة سوى تحقيق الأمان للمستأجر على الشيء المحروس، واطمئنانه إلى استمرار سلامته من العدوان، وتلك هي غاية عقد الحراسة.
والتأمين كذلك، فإن المؤمَّن له يبذل فيه للمؤمِّن جزءً من ماله في سبيل الحصول على الأمان من نتائج الأخطار التي يخشاها.
ولهذا جاز عقد التأمين قياساً على عقد الحراسة الذي أجازه الفقهاء نظراً لوحدة الأثر في العقدين.

الــــــــــرد:
إننا نفهم أن يكون الأمان باعثاً على العقد، ولكننا لا نستطيع أن نتصور كيف يكون محلاً للعقد، وهو أمر معنوي نفسي، قد يأتي بغير ثمن، وقد يدفع في سبيله الثمن ولا يأتي، ولا نعرف عقداً من العقود الإسلامية، ولا من العقود المدنية كان محل العقد فيه هو الأمان، حتى نلحق به ذلك العقد الغريب.
وإن الأمان في عقد الحراسة غاية وليس محلاً للعقد، وطرفا العقد فيه: الأجير والمستأجر، والأجرة تدفع لقاء بقائه في مكان معين يتولى حراسته وحراسة ما فيه، وبعبارة أخرى فإن الأجرة تدفع فيه على الزمن لا على مجرد العمل.

12. الإيداع والتأمين:
لقد ذكر الفقهاء بأن المودَع لديه إذا أخذ أجرة عن الوديعة، فإنه يضمنها إذا هلكت، وكذلك المؤمِّن فإنه ضامن لأخذه مبلغاً من المال من المؤمَّن له على أن يؤمنه من خطر معين.

الــــــــــرد:
وأجاب المانعون بأن ما ذكر مردود.
 فهو مردود، لأن عابدين يقول بأن المودَع لديه بأجر لا يضمن الخطر الذي لا يمكن الاحتراز منه، كالموت، والحريق، ونحوهما، لأن هذا لا يمكن ضمانه والتعهد بدفعه.
 وهو مردود أيضاً، لأن عقد التأمين معاوضة تجارية، أما الإيداع فإن القصد منه هو المساعدة على حفظ الوديعة لا الاتجار بها.
 
13. قضية تجار البزّ والتأمين:
لقد حدث في أواسط القرن الثامن الهجري أنه قد فرض على تجار البزّ في مدينة (سلا) الجزائرية دفع غرامة ثقيلة لقاء خزن بضائعهم، فاتفقوا فيما بينهم على أن كل من أشترى منهم سلعة دفع دراهم لرجل يثقون به، وما اجتمع من ذلك استعانوا به على دفع الغرامة.
وأراد الحاكَةُ منعهم بدعوى أن ذلك يضر بهم، وينقص من ربحهم، وعندما رفع الأمر إلى القاضي أبي عثمان سعيد العُقباني، (قاض وفقيه مالكي) حكم بإباحة ذلك الاتفاق، وبجوازه شريطة ألا يجبر أحد من التجار على دفع تلك الدراهم، فما أشبه التأمين بهذه القضية.

الــــــــــرد:
رد المانعون بأن هذا القياس لا يجوز، لأنه قياس مع الفارق.
ذلك لأن قضية تجار البزّ من باب التأمين التبادلي، وهو تعاون محض، أما عقود التأمين التي هي محل البحث والمناظرة، فهي عقود معاوضة، وذات طابع تجاري لا يراد من ورائها غير الربح.

14. التقاعد، والتأمينات الاجتماعية، والتأمين:
قبل فقهاء الشريعة نظام التقاعد، والتأمينات الاجتماعية، وأقروا بشرعية ذلك النظام لما فيه من مصلحة عامة يقبل بها الشرع والعقل، ولم ينازع في ذلك أحد.
ولقد رفض هؤلاء الفقهاء نظام التأمين التجاري، وقالوا بأنه مخالف لأحكام الشريعة، ونحن نعجب لهذا الرفض، ولذاك القبول، لأن النظام الذي قبلوه لا يخرج عن كونه نظاماً تأمينياً صرفاً بكل ما في هذه الكلمة من مدلول.
ففي نظام التقاعد يدفع الموظف في كل شهر جزءً من راتبه، حتى إذا بلغ سن التقاعد دفعت له الدولة راتباً شهرياً طيلة حياته يتناسب مع مدة الخدمة، وبعد موته تستحق عائلته راتباً شهرياً وفق نظام خاص.
وفي نظام التأمينات الاجتماعية يدفع العامل الاشتراك المحدد، كما يدفع رب العمل مبلغاً محدداً أيضاً، حتى إذا تعرض لإصابة، أو عجز عن العمل بسبب الشيخوخة، أو بسبب آخر، استحق تعويضاً وفق النظام الخاص بذلك.
كما أن مؤسسة التأمينات الاجتماعية تستثمر مُدَّخرات العمال في كل مجال ممكن وتحقق أرباحاً طائلة، ويبدو ظاهراً للعيان أنه لا فرق بين التقاعد، والتأمينات الاجتماعية من جهة وعقد التأمين على الحياة من جهة أخرى.
• ففي نظام التقاعد، والتأمينات يدفع الموظف، والعامل مبلغاً معيناً، وكذلك يدفع المؤمَّن له قسطاً محدداً.
• وفي نظام التقاعد والتأمينات لا يكون التأمين مجانياً, وعلى سبيل الخير والتعاون، وإنما يكون لقاء بدل يدفعه الموظف والعامل.
• في التأمينات الاجتماعية يوقع العامل عقداً مع المؤسسة، يتضمن ما للعامل وما عليه، وهكذا يكون عقد التأمين..
وبعبارة أخرى فإن عقد العامل والمؤسسة من عقود المعاوضة، كعقد التأمين.
• في نظام التقاعد، والتأمينات لا يعرف الموظف، ولا العامل مجموع المال الذي سيدفعه، وإنما يعرف مقدار كل دفعة مستحقة على حدة، وكذلك الحال في عقد التأمين، فإن المؤمن له يعرف مقدار القسط الذي يدفعه، ولا يعرف مجموع الإقساط.
فإذا قال الذين يمنعون التأمين على الحياة بأنه حرام، لما فيه من ربا، وشبهة ربا، وغرر، وجهالة. قلنا لهم: أليس كل ما ذكرتم موجوداً في نظام التقاعد والتأمينات الاجتماعية؟، وعليه كان لزاماً أن تقولوا إما بجواز التأمين، وإما بمنع نظام التقاعد والتأمينات الاجتماعية، أما أن تفرقوا بين التأمين وبينهما، وتقولوا بحرمة الأول وبجوازهما فهذا غير مقبول.
وإذا عرفنا بأن شركة التأمين في عقد التأمين على الحياة تدفع للمؤمَّن له مبلغاً محدداً يعرفه الطرفان حين العقد، وعرفنا أن الموظف والعامل لا يعرفان مقدار ما سيقبضان، أدركنا بأن الغرر والجهالة في نظام التقاعد، وفي التأمينات أشد مما هو في عقد التأمين، وهذا ما يجعل عقد التأمين أولى بالجواز والحِلّ.

الــــــــــرد:
قال المانعون بأن ما ذكرتم لا يستقيم لأسباب:-
أ ) إن قولكم بأن جميع الفقهاء المعاصرين قالوا بجواز التقاعد والتأمينات الاجتماعية دعوى بغير دليل، فهناك من لم يقل به.
وهَبْ أنهم قالوا بجوازه، هل يُعتبر قولهم إجماعاً صحيحاً؟
ب) يمكن أن نجد في التقاعد، وفي التأمينات الغرر، والمخاطرة، والمقامرة، بل هذه في التقاعد أشد، لأن توزيع ما يستحقه ورثة الموظف المتقاعد يجري على غير أحكام المواريث عطاءً مستمراً، أو مؤقتاً، أو حرماناً.
ج) يمكن أن يقال بأن ما تدفعه الدولة للمتقاعد منحة منها لرعاية موطنيها، وهي مسؤولة عن هذه الرعاية، وبذلك لا يكون بينه وبين عقد التأمين أي شبه، لأننا نعرف أن التأمين معاوضة مالية تجارية استغلالية بقصد الربح.
د) أما قولكم بأنه لا يصح التفريق بين التأمين الاجتماعي والتأمين التجاري، وأن من قال بجواز أولهما لابد أن يقول بجواز الثاني، فقول لا يثبت بمثله جواز التأمين التجاري لأن من فرَّق بينهما في الحكم قد يرجع عن التفريق فيسوِّي بينهما في المنع.
ويمكن أن يقال أيضاً بأن بين التأمين الاجتماعي، والتأمين التجاري، فرقاً جوهرياً هو أن القصد من الأول التعاون لا التجارة، أما الثاني فالقصد الأساسي منه التجارة على غير النهج الشرعي، ولذلك فإن ما ذكرتم لا يصلح أن يكون دليلاً لإثبات جواز التأمين.

15. الربح والتأمين:
إن تحقق الربح لا ينفي صفة التعاون في التأمين التجاري، ذلك لأن التأمين التجاري يتميز عن سائر وجوه التجارة ونشاطاتها الاقتصادية بأن الموضوع الأساسي الأصلي الذي تقوم عليه عقوده هو طريق تفتيت الضرر الذي كان سينزل بكامله على واحدٍ من المؤمن لهم، ليصبح موزعاً على جميع المؤمن لهم، وهذا هو عين التعاون، وإن ربح من يقوم بهذه العملية، ويتولى إدارتها لا ينفي صفة التعاون.
أما العقود التجارية الأخرى فهي معاوضات ومبادلات أموال بأموال، ومنافع بمنافع، وحقوق بحقوق لقضاء حاجات متقابلة متكافئة وليس موضوعها التعاون.

الـــــــــرد:
لا وجود للتعاون في التأمين التجاري أصلاً، لأن شركات التأمين لا تهدف إلا إلى الربح، وغرضها تجاري بحت، وإن حساباتها الإحصائية التي تحدد على وفقها مبالغ الأقساط المختلفة التي تتقاضاها من المؤمن لهم كلها قائمة على أساس الربح.
وإن هذه الشركات لا أثر للتعاون في أعمالها إلا كما في أي عمل تجاري آخر، ومعلوم لدى الجميع أن التجارة بوجه عام فيها قدر من التعاون بتحقيق حاجة تبادل الأموال والخدمات، وتقريب السلع من أيدي المستهلكين المحتاجين إليها، وهذا لا يسمى تعاوناً بالمعنى المقصود، بل تجارة.

16. المؤمِّن وسيط بين المستأمنين: 
إن كون التأمين نظام تعاوني لا يمكن أن يظهر إلا إذا نظرنا إليه على أنه علاقة قائمة بين المؤمِّن ومجموع المؤمَّن لهم.
وهذا هو الوجه الحقيقي للتأمين، وتكون الشركة بمثابة وسيط تنظم هذا التعاون على أسس فنية صحيحة.

الــــــــــرد:
أ ) أن المؤمِّن ليس بوسيط، بل هو طرف أصلي في كل عقد، تنسحب عليه آثار العقد، وما هكذا يكون الوسيط.
ب) إن كل عقد بين المؤمِّن، وأحد المؤمَّن لهم يعتبر مستقلاً عن بقية العقود، ولذلك فإن لكل عقدٍ التزاماًته الخاصة به.
وعليه يجب أن يراعى في الحكم على نظام التأمين كل عقد بانفراده، وإن كون المؤمِّن مسؤول أمام عدد المؤمَّن لهم، فهذا لا يعني بوجه من الوجوه وحدة العقود التي أبرمها مع كل واحد منهم، وصرف النظر عن اعتبار كل عقد منها مستقلاً عن الآخر تمام الاستقلال.

هل الخلاف حقيقي ؟
يرى الدكتور محمد شوقي الفنجري أن الخلاف بين القائلين بحرمة التأمين التجاري، وبين القائلين بجوازه خلاف ظاهري غير حقيقي.
ويستدل على ذلك فيقول:
1) أن الفقهاء المعاصرين مجمعون على شرعية التأمين التعاوني، كما أنهم متفقون على شرعية التأمين الحكومي الذي يتمثل في نظام التقاعد والمعاشات، وكذا نظام التأمينات الاجتماعية، ولكنهم مختلفون حول شرعية التأمين التجاري، ولو تولته الدولة.
على أن المتأمل في أقوال فقهاء الشريعة المجيزين للتأمين التجاري بإطلاقه يتبين أنهم جميعاً ضد الشروط التعسفية التي تفرضها شركات التأمين، وأنهم جميعاً ضد أقساط التأمين المرتفعة، أو المبالغ فيها، والتي تشكل عنصراً من عناصر الاستغلال، وأنهم جميعاً لا يقرون استغلال شركات التأمين لأموالها في استثمارات ربوية، وأنهم لا يسلمون بأي حال من الأحوال بأي شرط يحلّ حراماً، أو يحرم حلالاً، ويحرص فقهاء الشريعة من أنصار التأمين التجاري على التأكيد بأن المفاسد والشبهات التي تصاحب التأمين التجاري هي صفات خارجة عن جوهر التأمين في ذاته، لأنها ليست منه، وليست إلا عملاً أضيف إليه، ومزجت فيه بناءً على رغبة أحد المتعاقدين، لا بناءً على أنها عنصر من عناصر التأمين على وجه يحول دون قيام هذه المفاسد والشبهات.
وإنهم في النهاية إذ يجيزون التأمين التجاري بعد إعادة تنظيمه، وإحكام الرقابة عليه، فإنهم بسبب صفته الاسترباحية لا يقبلونه إلا على مضضٍ لحاجة الناس إليه.
2) وقد عبر عن ذلك كله أكثر أنصار التأمين بإطلاق تحمساً، وهو فضيلة الأستاذ مصطفى الزرقاء، فنجده مثلاً في بحثه الأخير المقدم إلى المؤتمر العالمي الأول للاقتصاد الإسلامي المنعقد بمكة المكرمة في الفترة 11- 16 صفر سنة 1396هـ (الموافق21-26 شباط سنة 1976) بقوله في صفحة 22:
(الذي حصل أن عنصر الربح لما دخل في الموضوع أصبح عنصر إغراء يدفع إلى الاستفادة، وأصبح بالتالي هو الهدف الرئيسي لدى شركات التأمين، قبل الفكرة التعاونية النبيلة، فانعكس الموضوع وأصبحت الوسيلة غاية، والغاية وسيلة، وأصبحت شركات التأمين تتحكم في الحاجة الملحة إليه، ولاسيما عندما تفرضه القوانين بصورة إلزامية على الناس، كالتأمين على السيارة من المسؤولية، وتأمين رب العمل على حياة العمال، أو ما يفرضه التعامل التجاري كالتأمين على البضائع المستوردة إذا فتح  المستورد اعتماداً بقيمتها لدى مصرف، فإنه لا يفتح بقيمة البضاعة اعتماداً إلا إذا أمّن المستورد عليها، لتكون ضماناً للاعتماد المصرفي، وهكذا أصبحت شركات التأمين تفرض أقساطاً عالية، وتجني أرباحاً باهظة استغلالاً لحاجة الناس واضطرارهم طمعاً في زيادة الربح الذي أصبح هو هدف شركات التأمين).
كما ينتهي فضيلته في بحثه المذكور بقوله: (كون الجهة التي تنصرف إلى القيام بهذه العملية تربح منها، وهو أمر طبيعي أن يربح من العمل من ينصرف إليه ويقوم به، وهذا لا ينفي، ولا ينافي المعنى التعاوني الموجود في أساسه ومبناه، وهو موضوعه الأصلي، وإنما تبقى الشوائب اللاحقة بهذا العمل التعاوني، من سلوك القائمين به، كالمراباة، والاستغلال للاستكثار من الربح، فهذه أمور جانبية ليست من صميم النظام، ولا من مستلزماته، فتأخذ أحكامها بصورة منفصلة، تعالج بالتدابير القمعية على حدة).
3) فالثابت أن أنصار التأمين التجاري وهو التأمين محل الخلاف، لا يسلمون به إلا بعد تخليصه من الشوائب والمفاسد التي أخذها عليه معارضو هذا النوع من التأمين، ويكون بذلك الخلاف بينهم ظاهرياً لا حقيقياً، وإنه كلما اتسعت الرؤيا ضاق الخلاف.

ونحن نذهب إلى غير ما ذهب إليه الباحث الكريم لعدة أوجه.
أ) قوله بإجماع الفقهاء المعاصرين على شرعية التأمين الحكومي، والتعاوني، وصفته اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية بأنه (دعوى يردها الواقع، ويوجد من العلماء من يخالف فيها).
ب) صحيح أن الفريقين يتخذان موقفاً موحداً من جميع الشروط المخالفة لأحكام الشريعة الإسلامية في أي عقد وردت، ولا فرق بين عقد التأمين وغيره، الأمر نفسه بالنسبة للربح الاستغلالي الفاحش، إلا أن هذا لا يعني أن الخلاف بين الفريقين قد أصبح ظاهرياً فهذا غير صحيح، لأن الخلاف لا يزال قائماً حول نظام التأمين نفسه، في أصله، وجوهره، لا حول عقد التأمين، وما يتضمنه من شروط دخيلة على النظام.

ومن تأمل أدلة الفريقين التي لخصنا وجد أنها تؤكد ما قلنا، ذلك لأن أتفاق المتناظرين على تحريم الفاحش من الربا مثلاً، لا يمكن أن يصلح قرينة على اتفاقهما على حِلَّ الربا، ولو لم يكن الخلاف  منصباً على أصل نظام التأمين التجاري، فَلِمَ إذاً هذه المحاورات والمؤتمرات.


مختصر لكتاب
التأمين بين الحظر والإباحة
والذي يقع في 96 صفحة لكاتبه القاضي المستشار سعدي أبو جيب مؤسس ومدير المجمع الفقهي الإسلامي في مكة المكرمة له الكثير من المؤلفات.

تلخيص وإعداد
دائرة الاستشارات والتدريب
المتخصصة للتأمين الصحي.
                                       فريق العمل (أحلام مهدي, نادية علي سعد، أكرم عباس)